محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
84
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
واسمع ما قاله بعض المشايخ : « أيها الرجل ، ما قدر لما ضغيك أن يمضغاه ، فلا بدّ أن يمضغاه ، فكله - ويحك - بعزّ ، ولا تأكله بذلّ » . قلت : تقدّم الآن من كلامه في « التنوير » ذكر الورع في مقابلة الطمع ، وكذلك في جواب الحسن لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنهما لمّا سأله مستخبرا له عن صلاح الدين وفساده في الكلام الذي حكاه عنهما ، ولا شكّ أنّ الورع الظاهر لعامة الناس ، وهو ترك الشبهات والتحرّج من اقتحام المشكلات لا يقابل الطمع كل المقابلة ، وقد ذكرنا الطمع ما هو ، وإنما يقابله ورع الخاصة ، وهو عندهم : صحة اليقين وكمال التعلق برب العالمين ، ووجود السكون إليه ، وعكوف الهمم عليه ، وطمأنينة القلب به ، ولا يكون له ركون إلى غير ، ولا انتساب إلى خلق ولا كون ، فهذا هو الورع الذي يقابل الطمع المفسد ، وبه يصلح كل عمل مقرّب وحال مسعد ، كما نبّه عليه الحسن ، رضي اللّه عنه ، في جوابه المذكور . قال يحيى بن معاذ ، رضي اللّه تعالى عنه : « الورع على وجهين : ورع في الظاهر ، وهو : ألّا تتحرك إلّا للّه ، وورع في الباطن ، وهو : أن لا يدخل قلبك إلّا اللّه » . ذكر أن بعضهم كان حريصا على أن يرى أحدا ممن هذه صفته ، فجعل يجتهد في طلبه ، ويحتال على التوصّل إليه بأن يأخذ الشيء بعد الشيء من ماله ، ويقصد به الفقراء والمساكين ، ويقول لمن يعطيه منهم حين المناولة : خذ لا لك ، فكانوا يأخذون ولا يسمع من أحد منهم جوابا مطابقا لما أراده بكلامه ، إلى أن ظفر ذات يوم ببغيته وحصل على مقصوده ومنيته ، وذلك أنه قال لأحدهم : خذ لا لك ، فقال له : آخذه لا منك . فإن كان للعبد استشراف « 1 » إلى خلق ، أو سبقية نظر إليهم قبل مجيء الرزق أو بعده فمقتضى هذا الورع ، والواجب في حق الأدب ، أن لا ينيل نفسه شيئا ممّا يأتيه على هذه الحال عقوبة لنفسه في نظره إلى أبناء جنسه ، كقصّة أيوب الحمّال مع أحمد بن حنبل ، رضي اللّه عنهم ، وهي معروفة ، وكما روي عن الشيخ أبي مدين ، رضي اللّه عنه ، أنه أتاه حمّال بقمح فنازعته نفسه وقالت له : يا ترى ، من أين هذا ؟ فقال لها : أنا أعرف من أي هو يا عدوّة اللّه ، وأمر بعض أصحابه أن يدفعه لبعض الفقراء ؛ عقوبة لها ، لكونها رأت الخلق قبل رؤية الحق تعالى . وقد قيل : « أحلّ الحلال ما لم يخطر لك على بال ، ولا سألت فيه أحدا من النساء والرجال » .
--> ( 1 ) استشرف الشيء : رفع بصره ناظرا إليه .